الثعلبي
135
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من العداوة والخيانة أَكْبَرُ أعظم ، قد بينا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عن الأزهر بن راشد قال : كان أنس بن مالك يحدّث أصحابه ، فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن يفسّره لهم ، فحدثهم ذات يوم وقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » [ 109 ] « 1 » . فأتوا الحسن فأخبروه بذلك ، فقال : إنّما « 2 » قوله : « لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » ، فإنه يقول : لا تنقشوا في خواتيمكم محمدا . وأما قوله : « لا تستضيئوا بنور « 3 » المشركين » ، فإنّه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم . وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية . وقال عياض الأشعري : وفد أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب ، فقال : إن عندنا كاتبا حافظا نصرانيا من حاله كذا وكذا . فقال : ما لك قاتلك اللّه ؟ أما سمعت قول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية ، وقوله لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ « 4 » ؟ هلا اتخذت حنيفيّا ! قال : قلت : له دينه ولي ديني ، ولي كتابته ، لا أكرمهم إذ أهانهم اللّه ولا أعزهم إذ أذلّهم اللّه ولا أدنيهم إذ قصاهم اللّه « 5 » . ها أَنْتُمْ أُولاءِ ، . . . ها تنبيه ، و أَنْتُمْ كناية للمخاطبين من الذكور ، أُولاءِ اسم الجمع المشار إليه تُحِبُّونَهُمْ خبر عنهم . ومعنى الآية : أنتم أيها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والمحالفة والرضاع والقرابة والجوار ، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم ؛ لما بينكم من مخالفة الدين . هذا قول أكثر المفسرين . وقال المفضل : معنى يُحِبُّونَهُمْ تريدون لهم الإسلام ، وهو خير الأشياء ، ولا تبخلون عليهم بدعائهم إلى الجنة ، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم ؛ لأنهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك . أبو العالية ومقاتل : هم المنافقون يحبهم المؤمنون بما أظهروا من الإيمان ولا يعلمون ما في قلوبهم . قتادة : في هذه الآية واللّه إنّ المؤمن ليحب المنافق ويلوي إليه ويرحمه ، ولو أنّ المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه « 6 » . وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بالكتب كلها ولا يؤمنون هم بكتابكم ، ف إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا
--> ( 1 ) مسند أحمد : 3 / 99 . ( 2 ) كذا في المخطوط ، والظاهر أنّها : أمّا . ( 3 ) مرّت في أوّل الحديث بلفظ : بنار . ( 4 ) المائدة : 51 . ( 5 ) راجع تفسير القرطبي : 4 / 179 . ( 6 ) تفسير الطبري : 4 / 87 .